تطياح قدر
المسافة بين كندا والجزائر تتجاوز 10 ساعات بالطائرة وأسابيع بالباخرة، بينما لا تتعدى ساعة أو ساعتين كأقصى تقدير مع باريس أو أي دولة أوروبية أخرى، ومع ذلك لم يشتك السفير الكندي لا من طول المسافة ولا من إجراءات الحكومة الجديدة بخصوص الاستثمار، عكس نظرائه الأوروبيين الذين أقاموا الدنيا بشأن مطالبة شركاتهم التجارية بإشراك جزائريين بنسبة 30 بالمائة في رأسمالها.
ولماذا لم تقلق إجراءات الحكومة الشركات الكندية التي تبعد عن موطنها الأصلي بآلاف الكيلومترات، لكنها أزعجت مثيلاتها الأوروبية، رغم أن جميعهم يخضعون لنفس قواعد الحرية الرأسمالية واقتصاد السوق؟ ربما تختلف المصالح بين هذه وتلك، فكندا القادمة من بعيد تريد الحفاظ على موضع قدمها بالجزائر وسط منافسة شرسة بين المتعاملين الاقتصاديين الأجانب، عكس فرنسا وجماعتها من الأوروبيين الذين يعتبرون المنطقة حكرا عليهم منذ زمان ولهم نفوذ فيها ولا يريدون للآخرين أن ينظروا للجزائر إلا من منظارهم الخاص ومن خلال ''لا أريكم إلا ما أرى''.
من الخطإ الاعتقاد بأن الانتقادات التي وجهت للتدابير الاستثمارية الجديدة المتخذة من قبل الحكومة، هي موجهة للوزير الأول أحمد أويحيى أو للاستهلاك الداخلي بقدر ما هي موجهة للشركات في الخارج الراغبة في الدخول إلى السوق الوطنية، وترمي إلى ''تنفير'' كل من يريد الاقتراب للاستثمار في بلادنا وقتل الشهية لديهم، حتى يخلو لهم الجو ويفرضون الشروط التي يريدونها ويقسمون ''الكعكة'' أو ينفردون بها لوحدهم.
ويأتي تدخل السفير الكندي وقبله السفير الإيطالي والشيلي وحتى الباكستاني للدفاع عن مصالح بلدانهم، لتكسر معادلة ظلت مكرسة إلى يومنا هذا، وهي أن الجزائر ''محمية'' فرنسية لا يجوز الاقتراب منها إلا بعد أخذ الإذن منها وليس من أصحاب الدار، وهو الحاجز للأسف الذي أطاح به الصينيون والكنديون وحتى المصريون ولم يستطع مسؤولونا القيام به رغم أن الجزائر حرة منذ 62! لقد كشفت حرب المواقع بين هذه الدول، على اختلاف مواقعها في الخريطة الجغرافية، أن هناك من يريد أن يعرق ويستثمر بجد من خلال احترام مبدأ تبادل المصالح والمنافع، وهم يمثلون قلة قليلة للأسف الشديد، وهناك من ''ضربنا وبكى وسبقنا واشتكى''، بالرغم من أنه طيلة عقود من الزمن، لم يخرج من مجال الـ''تبزنيس'' البدائي ويسعى لأخذ ''الزبدة، وأموال الزبدة وابنة صانع الزبدة''، وإلا يقول علينا في الخارج ''مناش ناس ملاح''. فهل هناك تطياح قدر أكثـر من هذا؟
h-slimane@hotmail.com
المصدر :ح. سليمان
2009-06-03
الأربعاء، 3 يونيو 2009
''تطياح قدر''
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
0 التعليقات:
إرسال تعليق