الأسرار في عالم اللاأسرار
ترفض الجزائر مثل العديد من الدول ذات النظام السياسي المشابه لنظامنا من حيث الخلفيات وعقيدة منظومة الأفكار التي تتحكم في رؤى هذا النظام أو هذه الأنظمة، أي تواجد عسكري أجنبي على أراضيها... وهذا لأن مثل هذا التواجد الذي كان يعرف في وقت سابق بالقواعد العسكرية، يتنافى مع مبدأ السيادة الوطنية للدول والأوطان والأمم، كون هذه المواقع لا يمكن أن تكون إلا محطات ومواقع لتجسس أصحابها علينا وعلى أمثالنا.
هذا الرفض كان مبررا عندما كان الوصول إلى المواقع الحساسة في أي دولة من الدول غير ممكن إلا بالاحتكاك المباشر بهذه المواقع والمؤسسات، سواء بالتوغل داخلها إن أمكن، أو بمراقبتها عن قرب والتعرف على ما بداخلها من حيث الحجم وطبيعة المكونات، وقد كنا نعتقد أن الأمر طبيعي عندما نرى إشارات منع التصوير بالقرب من الثكنات العسكرية والهيئات ذات الطابع الخاص، أما اليوم فإن منع التصوير ضمن محيط رئاسة الجمهورية مثلا أو بالقرب من وزارة الدفاع على سبيل المثال لا يعني سوى أن أصحاب القرار أو المتشبثين به لا يعلمون أن هناك خدمة وفرها محرك البحث العملاق ''غوغل'' اسمها خدمة ''إيرث''، تمكن أي شاب هاو وليس مختصا في الإعلام الآلي، ومن أي مقهى من مقاهي الأنترنت المتواجدة بأية مدينة من مدننا الداخلية أو الكبرى على حد سواء، من عد عمارات وزارة الدفاع الوطني، والتجول فوق مبنى رئاسة الجمهورية، وعدّ الأشجار المتواجدة بساحته شجرة شجرة، وزيارة مفاعل عين وسارة النووي وقياس فوهات مداخنه إن كان له أو للمفاعل الآخر المتواجد بوادي الرمان مداخن، أو أي مؤسسة أو مطار من مطاراتنا المدنية والعسكرية، ومعرفة عدد الطائرات الرابضة به. فهل بقي لحماية الأسرار وفق هذا الأسلوب المتخلف معنى؟
قد لا نتقبل نفسيا تواجد قوات أجنبية أو قواعد عسكرية على أراضينا، وهذا بحكم الموروث الثقافي للسياسة التي تربينا عليها وتشبعنا بها، بالإضافة إلى أن التواجد العسكري لأي دولة على أراضي دولة أخرى أمر غير طبيعي وغير عادي، وبالتالي تبقى مثل هذه الأمور أشياء مرفوضة، لكن ما يجب التنبيه له والتأكيد عليه، هو أن لا علاقة لمثل هذا التواجد بالسيادة التي تبقى مخترقة في بلد يصرف سنويا أربعين مليار دولار على واردات معيشته وطرق حياته.
لقد كان لمثل هذه الثقافة والقناعات المتولدة عنها مبررات في ظروف أخرى غير ظروفنا، لأن التجسس كان يومها يتم فعلا بالاحتكاك المباشر أو بالاقتراب من الأهداف المستهدفة، أما اليوم الأمر يختلف اختلافا كليا عن الثقافة الموروثة، وعن واقع الحال، فلماذا لا نتفاعل مع حاضرنا بتحديد الأسرار الحقيقية لكياننا السياسي كدولة ومجتمع ومؤسسات، حتى لا نظهر كالعراة الذي يعتقدون أنهم مستورون.
بقي لنا أن نتساءل... إذا كان الهواة من أمثالنا وعبر خدمة ''إيرث'' يحسبون عدد قبور مقبرة الشباشب ببومرداس، كما فعلها أحد زملائنا في ''الخبر''، ويزورون قراهم ومداشرهم بمختلف ولايات الجزائر، ويعدون البواخر وقوارب الصيد الراسية بموانئ الجزائر وجيجل والغزوات... إذا كان هذا هو حال الهواة، فما حال الخبراء بتجهيزاتهم التي لا نعرف عنها إلا القليل القليل.
larbizouak@yahoo.fr
المصدر :العربي زواق
2009-06-06
السبت، 6 يونيو 2009
الأسرار في عالم اللاأسرار
مرسلة بواسطة
superearn
في
12:00 ص
التسميات: العربي زواق
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
0 التعليقات:
إرسال تعليق