الجمعة، 19 يونيو 2009

غريب..

غريب..

مرت مجزرة برج بوعريريج، التي راح ضحيتها أعوان درك ومواطنين، كأنها لا حدث. إذ لم يسجل رد فعل سياسي بشأنها سوى من قبل التجمع الوطني الديمقراطي. والسبب في ذلك ليس أن هذا الحزب أكثـر وطنية من باقي الأحزاب النشطة في الساحة الوطنية، وليس لأن الجزائريين لم يعودوا يشعرون بشيء أمام الموت... بل عكس ذلك يمكن اعتبار مجزرة برج بوعريريج أكثر العمليات الإرهابية إثارة للخوف لعدة عوامل: أولها لأن الحصيلة ثقيلة جدا ولم تكن تسجلها الجماعات الإرهابية حتى عندما كانت تستفيد من عنصر المفاجأة، أي قبل أن تتعود قوات الأمن والمواطنون على أعمالها ولم يكونوا يتصورون أن تصل الجزائر إلى هذا المستوى من الجنون.
والعامل الثاني الذي يجعل من هذه العملية مخيفة أكثر من غيرها هو توقيت ومكان وقوعها: على الطريق الوطني رقم 5 وليس بعيدا عن مقر الولاية وفي ساعة يفضلها كثيرا السائقون في مثل يوم 17 جوان، حيث تنخفض درجة الحرارة مع بقاء الرؤية في أحسن حال لمسافة طويلة. وفي كل هذه الأجواء، استطاع ثلاثون إرهابيا أن يأتوا بشاحنة ويغلقوا بها الطريق ويتربصوا بالدركيين المساكين.
والعامل الثالث الذي يرقي عملية برج بوعريريج إلى ريادة العمليات الإرهابية في الجزائر منذ بدايتها، أنها لم تحدث بمناسبة اقتراب الانتخابات الرئاسية أو التشريعية أو المحلية، كما لم تحدث عندما كان كل أئمة العالم الإسلامي وفقهائه يتفرجون على ما يحدث في الجزائر دون أن يفتي واحد منهم بتحريم دم الجزائريين. ولم تحدث عندما كانت الطبقة السياسية في الجزائر منقسمة بين من يحمّل المسؤولية للإسلاميين ومن يحمّلها للمخابرات وقوات الأمن... ولم يحدث ما حدث في برج بوعريريج أيام كانت الجزائر تبحث عن مخرج لشلل الاقتصاد الوطني تماما بسبب فراغ الخزينة العمومية، ولم يحدث ذلك عندما كانت مؤسسات الدولة غير منتخبة...
باختصار، سنة 2009 تعني مرور 18 سنة على بداية الأزمة الأمنية في البلاد، وقوات الأمن اكتسبت التجربة الكافية لمكافحة الإرهاب واستباق أحداثه. وتعني 2009 مرور عشر سنوات على استفتاء الوئام المدني وأربع سنوات على استفتاء السلم والمصالحة الوطنية، وكل الأوراق السياسية التي كانت تغطي العمليات الإرهابية سقطت، ولم يعد مطلب الجماعات الإرهابية ''إطلاق سراح شيوخ الفيس'' ولا ''العودة إلى المسار الانتخابي''... ومع كل هذه التطورات ما زالت الجماعات الإرهابية قادرة على الضرب متى شاءت وأين شاءت وبالطريقة التي تريد وليس طريقة الانتحار التي تعبّر عن مرحلة اليأس فقط، كما قال زرهوني وغيره من مسؤولي الدولة.
فالذين امتنعوا عن إصدار بيانات التنديد أمس، ليسوا سعداء بما قرأوه عن مجزرة برج بوعريريج، بل لأنهم حائرون في القراءة التي يمكن إعطاؤها للعملية، وما هي الجهة التي يجب تحميلها المسؤولية.



المصدر :م. إيوانوغان
2009-06-20

0 التعليقات: