صدمة في غير محلها
بإمكان مجموعة إرهابية قليلة العدد أن تحدث مجزرة كالتي أحدثتها مؤخرا بالقرب من مدينة المنصورة ببرج بوعريريج، والعبرة هنا ليست في قلة عددهم ولا في كثـرتهم، ولكن لأن المتربص وبحكم عامل المفاجأة يستطيع إرباك الذين يستهدفهم، لذلك فإن تمكن مجموعة إرهابية من ثلاثين عنصرا من قتل تسعة عشر دركيا كما حدث مؤخرا، يعتبر أمرا ممكن الحدوث ولا يعبّر بأي حال من الأحوال لا عن عبقرية في التخطيط ولا عن شجاعة منفذي الجريمة ولا عن كثـرة في العدد، وعليه فإن الذين قرأوا العملية الإرهابية الأخيرة على أنها عودة قوية للإرهاب مخطئون، إن كانت نيتهم حسنة، وواهمون إن كانت لهم حسابات أخرى... المعروف أن قوات الدرك الوطني عندنا وعند غيرنا قريبة من حيث قدراتها القتالية من القوات الخاصة، أو بمعنى آخر هي أكثـر قدرة على سرعة الحركة وعلى المناورة وشل أعدائها من القوات العسكرية العادية، وعليه فلا مجال لقراءة أن ما حدث في منعرجات المنصورة تعبير عن قوة الإرهابيين وحسن تدريبهم ودقة تخطيطهم، وإنما راجع لعامل المفاجأة لا أكثـر ولا أقل.
حسب الإحصائيات المتوفرة عند الجهات المعنية، فإن عدد الإرهابيين المتواجدين في جبال الجزائر يتراوح ما بين ستمائة إلى ثمانمائة إرهابي، وعليه فإن إمكانية حدوث أعمال إرهابية في أماكن أخرى ومناسبات أخرى أمر وارد، بل من المؤكد أنه سيحدث، والأداة الوحيدة لمواجهته هو اليقظة واليقظة فقط، بالإضافة إلى العمل المخابراتي الذي يفترض أن يجهض مثل هذه الجرائم وهي مشاريع في المهد.
وحتى تتضح الصورة أكثـر، نقول إنه بإمكان إرهابي واحد أن يدخل مدينة في حجم الجزائر في قلق دائم قد يمتد لأشهر، لأنه بإمكان هذا الإرهابي وبواسطة مسدس فقط أن يغتال اليوم شرطيا في باب الوادي، وبعد يومين يغتال إماما في حي القبة وبعد ثلاثة أيام يفرغ رصاصة في رأس صحفي بساحة أول ماي، وبعدها بساعات يغتال عاملا بمطبعة حسين داي، وقد يتمكن بعد ذلك بأيام من دركي بالرويبة أو الحراش، وبهذا يستطيع أن يدخل المدينة في قلق قاتل لا تخرج منه إلا بعد التعرف عليه وقتله أو توقيفه... فهل مجرى أحداث كهذه تعبير عن قوة هذا الإرهابي أو عبقريته؟ بكل تأكيد لا، لكن عامل المفاجأة يجعل من هذا الإرهابي الواحد والوحيد وبمجرد مسدس واحد وكأنه مجموعة إرهابية كثيرة العدد والعدة ومحكمة التنظيم والتجهيز.
لقد خلفت الجريمة المرتكبة في منعرجات المنصورة صدمة عنيفة وحتى سلبية في نفسية الرأي العام الوطني، وهنا نقول بأن اغتيال تسعة عشر دركيا دفعة واحدة هو بالفعل صدمة، لكن الصدمة التي عشناها هذه الأيام ولا زلنا نعيشها، ليست في محلها، لأنها لم تعد القوة للإرهاب الذي ينبغي أن نؤمن بأنه أصبح من الماضي، وشتان بين هذه الأيام والأيام التي كان الإرهابيون يقيمون فيها حواجزهم عبر العديد من الطرق الوطنية من مغيب الشمس حتى طلوع الفجر... ورحم الله دركيينا المغتالين بالمنصورة.
larbizouak@yahoo.fr
المصدر :العربي زواق
2009-06-23
الثلاثاء، 23 يونيو 2009
صدمة في غير محلها
مرسلة بواسطة
superearn
في
12:18 ص
التسميات: العربي زواق
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
0 التعليقات:
إرسال تعليق